أحمد مصطفى المراغي
62
تفسير المراغي
وفي هذا ما لا يخفى من الدلالة على عظم شأن الخالق وكبريائه وسلطانه ، وشديد احتقاره لفرعون وقومه ، واستقلاله لهم وإن كانوا عددا كبيرا ، وجما غفيرا ، فما مثلهم إلا مثل حصيات صغار قذفها الرامي من يده في البحر . ثم أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم وقومه بالنظر والاعتبار والتأمل في العواقب ، ليعلموا أن هذه سنة اللّه في كل مكذب برسله فقال : ( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) أي فانظر أيها المعتبر بالآيات ، كيف كان أمر هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ، وكفروا بربهم ، وردوا على رسوله نصيحته - ألم نهلكهم ونورّث ديارهم وأموالهم أولياءنا ونخوّلهم ما كان لهم من جنات وعيون ، وكنوز ومقام كبير ، بعد أن كانوا مستضعفين ، تقتّل أبناؤهم وتستحيا نساؤهم ، وإنّا بك وبمن آمن بك فاعلون ، فمخوّلوك وإياهم دبار من كذبك وردّ عليك ما أتيتهم به من الحق ، وأموالهم بعد أن تستأصلوهم قتلا بالسيف - سنة اللّه في الذين خلوا من قبل . ثم ذكر ما يوجب سوء عاقبتهم وعذابهم في النار فقال : ( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) أي وجعلنا فرعون وقومه أئمة يقتدى بهم أهل العتو والكفر باللّه ، فهم يحثون على فعل الشرور والمعاصي ، وتدسية النفوس بالفسوق والآثام التي تلقى بفاعلها في النار . وما كفاهم أن كانوا ضالين كافرين باللّه ورسوله ، بل دأبوا على إضلال سواهم وتحسين العصيان لهم ، وبذا قد ارتكبوا جريمتين ، فباءوا بجزاءين : جزاء الضلال وجزاء الإضلال ، وقد جاء في الحديث : « من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سنّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » . ثم ذكر أنه لا نصير لهم ولا شفيع في ذلك اليوم فقال : ( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ) أي ويوم القيامة لا يجدون نصيرا يدفع عنهم عذاب